ffffffeeeeeeeeeeeeeeeeee

تميز اليوم الثاني بالورش التفاعلية والمشاركات الشبابية

إبن بية: تجديد جذوة البعد الإنساني الشفيف يليق بسمو الدين الحنيف

يواصل “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بية لليوم الثاني على التوالي؛ حفرياته الثقافية، تأصيلاً لقيم السلم في الإسلام، وترشيداً للمفاهيم والمصطلحات في الفكر الإسلامي، وتجديداً لجذوة البعد الإنساني الشفيف في روح الدين الحنيف؛ بما يليق بسمو الإسلام وقيمه الأخلاقية والروحية، المتعالية على الأحقاد والكراهية وكل أشكال العسف والمظلمات أو الموبقات.

وتتواصل جهود العلماء والمفكرين بزخم فلسفي ومعرفي أصيل، واندفاع تفاعلي عميق بين الشباب والشيوخ، لتبادل الخبرات وخلاصة الأبحاث والدراسات في ثقافة السلم الإسلامية، وسط اهتمام رسمي وشعبي؛ نخبوي وجماهيري، بالتوازي مع حضور إعلامي واسع.

وبحثت الجلسة الصباحية من فعاليات الملتقى الثاني، التي تُعقد في أبوظبي؛ محور تأصيل “السلم في الإسلام”. وتركزت المشاركات على الكشف عن بنية السلم الثقافية، المتماهية مع روح القرآن وجوهر السنة النبوية الشريفة منذ فجر الإسلام الأول، معززة بإرث غني من الدراسات الفقهية والشرعية، التي تُقونن السلم وتؤطر مفاهيمه ومنهجياته على كل المستويات المعرفية والثقافية، إنطلاقاً من القاعدة الفقهية، التي اعتمدها السلف على مدى قرون، ومفادها: “أن المسلم والكافر فى مصاب الدنيا سواء”.

وتميز اليوم الثاني من فعاليات المنتدى، الذي تستضيفه دولة الإمارات العربية المتحدة للمرة الثانية منذ إنطلاقته في مارس العام الماضي؛ بتنظيم ورشتين للنقاش المفتوح بين النخب الإسلامية على مختلف الاهتمامات والتخصصات. وتناولت الورش موضوعات “الجهاد والقتال”، و”التكفير”، و”تقسيم المعمورة”، و”تأصيل السلم”، و”السلم في الإسلام بعيون غربية”، و”ما الذي يمكن أن تقدمه الجامعات الإسلامية لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”. وجرت النقاشات بمشاركة واحد وأربعين عالماً ومفكراً وباحثاً من المشهود لهم بدراساتهم الفكرية والفقهية ومصداقيتهم المعرفية.

تأصيل السلم

وعقدت الجلسة الأولى من فعايات اليوم الثاني برئاسة الدكتور أسلمو سيدي ولد المصطف. ومقرر الجلسة الدكتور أسامة السيد الأزهري الأستاذ في جامعة الأزهر. وناقشت الجلسة محور “تأصيل السلم في الإسلام: النصوص الحاكمة – القيم – المفاهيم – القواعد – الوسائل”.

واستهل الجلسة الدكتور أحمد العبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء في المغرب، فقدم دراسة موسعة بعنوان “مفهوم السلم في الإسلام- مبادئ التأصيل وآليات التعزيز”، فبسط المفهوم لغة واصطلاحاً، ومن ثم توسع في تأصيل مصادر السلم بدءاً من التأسيس القرآني الكريم والبيان النبوي الشريف، مروراً بالتأصيل الاعتقادي الإستشرافي للسلم، وضرورة الوعي بالسياق الكوني المعاصر الذي تعيش به المجتمعات المسلمة، وصولاً إلى التأصيل التربوي والاقتصادي والسياسي للسلم.

ودعا الدكتور العبادي إلى ضرورة بعث القيم التي تحث المرء على القيام بالواجب من أعمال الخير والمعروف والبر، أي واجب الفرد تجاه الأخر القريب أو البعيد، أو تجاه المجتمع عموماً من دون تمييز، بموازاة إعداد الأئمة لجهة القدرة على إبصار الآيات العلامات، القادرة على تنوير الإنسان. هذا إلى جانب المنطلقات في تحقيق السلم في المجتمعات المحترقة بنار الحروب والفتن، ومن ثم العمل على إعادة صناعة الأحلام للشباب اليائس في هذه المرحلة الصعبة، ومن ثم الاندراج في سياقت السلم العالمية. موضحاً أن كل هذه الموضوعات لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تنظيم ورش حقيقية عملية تؤسس لثقافة منهجية علمية جديدة.

وختم الدكتور العبادي بدعوة الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات إلى الإنخراط المثابر الجاد في الورش الأنفة الذكر. كما ان الساسة والمشرعين وأهل المسؤليات المختلفة مدعون لبذل ما يلزم من جهد لتبني هموم الناس والتخفيف من معاناتهم ودعم التلاحم والتراحم من اجل الاضطلاع بتحقيق السلام وإشاعة الأمن والاطمئنان وتجاوز آفة التطرف والطائفية والفرقة والاختلاف.

أسلوب النقاش

وتحدث الدكتور عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة الإيراني الأسبق، حيث قدم دراسة بعنوان: “أسلوب النقاش وأصالة السلام”، فلاحظ أن مقولة معالي الشيخ عبدالله بن بية: “إذا كانت المطالبة بالحق حقا فإن البحث عن السلم أحق”، تختزل الفهم القرآني العميق لفلسفة السلم، باعتبار أن مفهوم الحق لا تكتمل دلالته إلا بصون حق الآخر، الذي هو من الأسس الصلبة لثقافة السلم، لأن هدر الحقوق والمظلمات غالباً ما يكون من نتائج الحرب، وفي أحيان أخرى من أسبابها.

وربما يكون حق الاختلاف وحق التعبير عن الذات من أولويات الحقوق، التي أولاها القرآن الكريم عناية كبيرة من جملة المقاصد الشرعية، كما في قوله تعالى: “قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ، قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ” – (سبأ الآيات 24و25و 26)

وعرض الدكتور مهاجراني تفاسير الآيات من مصادر متعددة، مستنتجاً أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) لا يدعي بأنه على هدى ومخاطبه على ضلالة، بل يتحدث على وجه الاستفهام، قائلا: “أنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين”، وبهذا السلوب في الطرح ومناقشة الخصم، تُفتح مساحة للاستيعاب والحوار لأجل البحث عن الحقيقة.

ويرى الدكتور مهاجرني أن الإنصاف في النقاش مع الخصوم، كما أمر به القرآن الكريم يؤسس للصلح والسلم، في حين تؤسس الخشونة في الكلام ومحاولة السيطرة على الغير ومصادرة آرائهم لكل الحروب. لذلك يبدأ السلم من المساحة التي نرى فيها أن للآخر حقوقا.

كذلك يلاحظ الدكتور مهاجراني أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول للخصم في النقاش دع عنك الحديث عن الماضي، وذلك من خلال نظرته الى المستقبل، لذا فهو يخاطب المشرك بقوله عز وجل: “قُل لاَّ تُسْـئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا”، يعني لا تسألون عن جرم أعمالنا، “وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ”، يعني لا نسأل عن جرم أعمالكم، أي لا تؤخذون بجرمنا ولا نؤخذ بجرمكم. ما يعني أن أي نقاش يبدأ على أساس تعداد أخطاء الآخر وسوابقه أو جرائمه سوف يؤدي بدهيا إلى التباعد، ومن ثم إلى النهاية أو القطيعة، فالحرب، في حين أن عدم الحديث عن جرائم أو أخطاء الماضي سوف يفتح أفقا إيجابياً وحبياً لاستمرارية النقاش.

ويضيف مهاجراني أن الإمام الفخر الرازي قال في تفسيره لهذه الآية الكريمة:

“أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم:”وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ”، ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم”. أي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أضاف إلى ذات نفسه الطاهرة بعد الإجرام وإلى الآخر الكافر بعد العمل، تباسطاً وتواضعاً ليحول دون إغضاب المختلف أولاً، وإستدراجه للحوار ثانياً.

وخلُص الدكتور مهاجراني إلى أن هذا الاسلوب النبوي من النقاش يقوم على فلسفة السلم والصلح والوئام لا على الحرب والخصام، وهو بالتأكيد أسلوب مستلهم من هدي القرآن الكريم، الذي يؤسس قواعد النقاش – في جميع نصوصه – على احترام رأي الآخر، وليس بفرض الرأي عليه بأي ثمن كان. وهذا ما يدعو جميع حملة العلم من العلماء والمفكرين إلى الإنخراط في جبهة ” إعلان الحرب على الحرب لتكون النتيجة سلماً على سلم”، حسب معالي العلامة عبدالله بن بية رئيس “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، الذي يجمعنا اليوم بمبادرة مباركة في ضيافة كريمة من دولة الإمارات، المعروفة بوسطيتها واعتدالها المحمود.

ضحايا غياب السلم

إلى ذلك تحدث الداعية حمزة يوسف هانسن مؤسس جامعة الزيتونة في الولايات المتحدة فلاحظ أن الإسلام كان تاريخياً دين سلم أو سلام ومحبة ورحمة، وقدم عرضاً موسعاً لغزوات الرسول الكريم،فلا حظ انها بلغت 29 غزوة، إحدى عشرة منها دارت فيها مواجهة، والبقية انتهت من دون حرب لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يحرص على السلم، ولهذا سقط في كل هذه الغزوات على مدى 23 سنة 1400 شخص، وهذه الحصيلة تسقط بحرب صغيرة من حروب الزمن الراهن. واستعرض الشيخ حمزة يوسف الحروب في تاريخ البشرية فوجد أن الحروب الكنسية حصدت ما يزيد عن 136 مليون ضحية، في حين أن جميع حروب المسلمين على مدى 1400 عام لم تصل إلى نسبة واحد إلى ثمانية من حروب الأخرين.

ولا حظ الداعية هانسن أن هذه حقائق يسجلها التاريخ ويعرفهاجميع الباحثين والدارسين في العالم أجمع، ويتساءلون عن سبب ذلك، وهم يدركون بقرارة أنفسهم أن الإسلام هو دين رحمة، وهو الدين الوحيد الذي يعتبر قتل الإنسان – بغض النظر عن دينه – كأنه قتل للناس أجمعين، وإحياءه هو إحياء للناس جميعهم.

وانهى كلمته بأن هذا ما يوجع الروح، إذ كيف تحول هذا الدين بعيون الآخر وكأنه دين إرهاب وقسوة، كون أن بعض الحمقى والمضللين سلكوا طريقاً مغايراً فأفسدوا سيرة الإسلام العطرة، وهذا ما يجب على العلماء والمفكرين إصلاحه بحزم وعزم.

أهداف السلم

كما تحدث في الجلسة الدكتور مصطفى الشريف وزير التعليم الجزائري الأسبق، فقدم مداخلة عن أهداف ورشة ” السلم في الإسلام بعيون غربية”، فلاحظ أن الإسلام بات متهماً بالعنف والتطرف، ويجري تحميل عموم المسلمين جنايات أفراد معدوددين منهم، وأصبح التصور الذهني لدى الغربيين عن الإسلام لا ينفصل عن الدم والقتل، واستقرت في نفوس كثيرين منهم هذه الصورة المأساوية، التي لا تمثل الصورة الحقيقية للإسلام.

وانطلاقا من هذه التصورات الخاطئة، واعتبارا لكون كثير ممن يتهمون الإسلام بالإرهاب لا يتعاملون مع نصوصه التي تقعد للسلم، وتجعل الحرب أمرا استثنائيا اضطراريا، ولا يثقون بما يقرره المسلمون عن دينهم، فإن أمثل السبل، هي مخاطبتهم من خلال عقلائهم، والحديث معهم بكلام المنصفين من علمائهم، الذين وعوا حقيقة الإسلام، وأدركوا طبيعة علاقته بالحرب، وفهموا ما تريده نصوصه من إقرار الجهاد والقتال.

ولخص الدكتور الشريف أهداف ورشة ” السلم في الإسلام بعيون غربية” بالآتي:

– مخاطبة العالم الغربي بفكر مفكريه وعلمائه المنصفين.

– تحديد زوايا نظر المفكرين الغربيين لموضوع السلم في الإسلام.

– جمع نصوص فلاسفة ومفكري الغرب حول موضوع السلم في الإسلام.

– بيان عناية مفكري وفلاسفة الغرب بمنهج ترسيخ التعايش السعيد في الإسلام.

– التركيز على عناية مفكري وفلاسفة الغرب على تأصيل قيم العيش المشترك من خلال الإسلام.

– تمثل مفكري وفلاسفة الغرب المنهج الإسلامي في إشاعة ثقافة الحوار والسلام المنضبط.

ورش تفاعلية

في الورشة الأولى التي عقدت برئاسة الدكتور عادل الفلاح، والمقرر الدكتور محمد علي أسلم ولد الطالب أعبيدي، جرى البحث حول تأصيل مفاهيم “الجهاد والقتال”، فتحدث فيها كل من الداعية الشيخ الحبيب علي الجفري، والدكتور عبد الناصر أبو البصل، والدكتور منير التليلي، والدكتور محند أيدير أمشنان.

وناقشت الورشة الثانية في الفترة المسائية، التي عقدت برئاسة الدكتور علي راشد النعيمي، ومقرر الجلسة الدكتور إبراهيم مشروح؛ موضوع “السلم في الإسلام بعيون غربية”. وتحدث فيها كل من الدكتور مصطفى سيريتش، والدكتور عارف النايض، والدكتور عبدالله السيد ولد أباه.

تلا ذلك مناقشة موضوع الجامعات الإسلامية، وما الذي يمكن أن تقدمه لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة. وعالج الموضوع كل من الدكتور عبد الحي العزب، والدكتورة أمل فتح الله زركشي، والدكتور عبد الفتاح عبد الغني العواري، والدكتور جعفر عبد السلام، والدكتور محمد السرار.

أما الورشة الثالثة والأخيرة فعقدت برئاسة الدكتور منير التليلي، ومقرر الجلسة الدكتور محمد إبراهيم سعيد الفارسي، وتحدث فيها كل من الدكتور أسلموا ولد سيد المصطف، والشيخ صلاح مستاوي، والدكتور محمد الحفناوي، والدكتور خضر عبد الحميد عشاق، والدكتور نجم الدين قادر زنكي.