تعزيز ثقافة الأمن والسلم في المجتمعات العربية

الدعوة لتعزيز السلم أو إحيائه أو استحداثه في نفوس الأفراد والجماعات في المجتمعات العربية والإسلامية هي فكرةٌ أطلقها العالم الموريتاني المعروف الشيخ عبد الله بن بيّه. وكما قيل فإنَّ الحاجة أمُّ الاختراع؛ ولذلك كان الافتقار للسلم والسلامة في المجتمعات العربية والإسلامية هو الذي دفع الشيخ الجليل للسعي لإقامة منتدى للتشاوُر والعمل بهذا الاسم والعنوان. وقد اعتدنا أن تنطلق دعوات السلم والمصالحة من الدول الإسكندنافية، أو من بعض نشطاء الحراكات المدنية بأوروبا الغربية. وكنا دائمًا شديدي الشكوك والتشكيك فيها، باعتبار أنَّ «المصالحة» تستدعي التنازل، أو أن المصالحة تعني التسوية، والتسوية تستدعي تنازُلاً من الطرفين، وكل تنازلٍ (في القضية الفلسطينية مثلاً) هو تفريطٌ في الحقِّ، حقّ الشعب الفلسطيني، بل وحقوق الأمة والدين. بيد أنه وسط هذا المخاض الهائل الذي نمر به، يثبت أنه لم يبقَ للنضال السلمي الفلسطيني غير أولئك الناشطين المدنيين!

وعلى أي حال، فإنَّ دعوة الشيخ بن بيّه تنطلق من موقعٍ مختلفٍ ولأهداف مختلفة، ولأنها أكثر طموحًا من التسويات السياسية التي يتقبلها كلُّ أحد وإن على مضض؛ فإنَّ أحدًا ما شكّك في دوافعها أو خيريتها، بل اعتبرها مسعى مستنداتُه وإمكانياتُه في الواقع ضئيلة أو شديدة العُسْر. إنَّ ضرورة هذه الدعوة تكمن في حاجة كل إنسان إلى الأمن بداخله «أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف»، والسلم مع النفس والجوار القريب والبعيد. وهذا هو الأمر الذي تفتقر إليه المجتمعات العربية والإسلامية أشدّ الافتقار. ولذلك فإنَّ الشيخ بن بيّه يسعى لتأصيل دعوة السلم والأمن في النصوص الدينية والثقافية، كما يسعى للدخول من جديدٍ إلى عقول ونفوس ذوي الثقافة الدينية كبارًا وشبانًا لبعث الثقة بالله وبالمجتمع وبالنظام العام، وإمكان المشاركة في ثقافة العالم وأمنه من جهة، ودفعهم بعد التدريب باتجاه المجتمعات وأجيالها الشابة من أجل التثقيف بثقافة السلم والأمن.

من أين أتى هذا الانعدام للإحساس بالأمن والسلم في المجتمعات العربية والإسلامية، بعد أن كانت مضرب المَثَل في الأمن والتضامُن والثقة، والحرص على صَون النفس والآخر؟ ولماذا تجد الدعوات للعنف باسم الدين آذانًا صاغيةً من جانب فئاتٍ من الشبان؟ لا يتحدث الشيخ بن بيّه في مشروعه عن الأسباب والجهات وتحديد المسؤوليات، حتى لا يثير أحدًا. بل ينصرف للتأصيل للسلم من الكتاب والسنة، ومن المواريث العربية حتى الجاهلي منها (نموذج زهير بن أبي سُلمى). كما يمضي في قراءة الحرب باعتبارها استثناءً والأصل السلم والدار الواحدة لدى الفقهاء، وأنَّ القرآن الكريم لا يرى القتال إلاّ في حالتين: الاضطهاد الديني، والإخراج من الديار. ومعنى هذا أنه لا مجال لغير الحرب الدفاعية، والتي تُسمَّى «جهادًا». أما الجهاد نفسه فالقتال نشاطٌ واحدٌ من عشرات النشاطات والإمكانيات في نطاقه. وهو يوردُ شواهد على ذلك من القرآن والسنة، ومن كلام الفقهاء، ومن ثقافة المسلمين اليومية في السلم والسلام والأمن والإسلام.

خلال الأسبوع الماضي فقط، جرى إنقاذ أكثر من خمسة آلاف مُهاجر (وأكثرهم سوريون) من أمام الشواطئ الإيطالية، والشواطئ الليبية. وقد هلك غرقًا مثل عددهم أو أكثر خلال الأسبوع ذاته. وفي الأسبوع نفسه قُتل بين سوريا والعراق وليبيا واليمن، وبالبراميل المتفجرة الملقاة من الطائرات، والسيارات المفخخة والانتحاريين، والقصف المدفعي، والقنص، نحو ألفي قتيل. وإذا كانت هذه الظروف والوقائع كلُّها مُشعرة بانعدام الأمن واضطرار الناس للهجرة خوفًا من الموت وإنْ تكن في الزوارق وتجار السفر مخاطر كبيرة؛ فإنّ الظاهرة الأخرى، وأعني بها الهجرة المضادّة أو «الهجرة إلى دار الإسلام» بالغة الدلالة أيضًا. لقد قصد سوريا والعراق خلال العامين الماضيين نحو الأربعين ألف شاب من أوروبا وآسيا وأفريقيا بحثًا عن أمنٍ نفسي داخلي، إذ إن أكثر هؤلاء ما كانوا يُعانون معاناة الشعوب العربية من مصادر العنف الثلاثة: المتطرفون بحجة «الجهاد»، والمتطرفون الإيرانيون، والأنظمة المقاتلة لشعوبها. والأمر نفسه يقال عن ذاك الكهل السوري، الذي أُنقذ بالكاد بعد أن فقد زوجته وأطفاله الأربعة غرقًا. قال الرجل إنه دفع للمهرِّبين خمسة عشر ألف دولار لنقله عبر ثلاثة بلدانٍ مع عائلته. وعندما سأله الضابط الإيطالي: لكنك كنت تستطيع الذهاب إلى تركيا أو لبنان أو الأردن برًا، وتملك من المال ما يمكن به العيش عامًا أو عامين في أوضاع أكثر أمنًا! صمت الرجل طويلاً، ثم نطق فقط بكلمتين: القلق والحيرة! إنَّ الظروف الأمنية والاقتصادية والعسكرية يمكن أن تعلّل العنف المتفشّي، والاضطرابات الشديدة الهول. لكنّ ما تُعاني منه المجتمعات والأفراد للمرة الأولى هو انعدام الإحساس بالأمن لدى الإنسان المسلم حتى لو لم تكن في الديار التي يقطن فيها أحداثٌ أمنيةٌ أو مجاعاتٌ واحتياجات. وهذه ظاهرةٌ شديدة الخطر.

إنَّ الأمن الاجتماعي والاقتصادي والإنساني في مجتمعاتنا التاريخية استند إلى فقهٍ للدين، يرتبط به فقهٌ للعيش. وقد تطرّق الاختلال إلى فقه الدين، فسرى إلى ترتيبات العيش بين المسلمين، وبين المسلمين والمسيحيين، وبين المسلمين والعالم. وهذا الإحساس بالاختلال نال أول ما نال من عقول ونفسيات الشبان ذوي الحساسية العالية، فانصرفوا للبحث عن الأمن والأمان من خلال ممارسة العنف باسم الدين. وقابل العالم هذه الظاهرة، وهي العنف باسم الدين، (التي وجد لها برنارد لويس وهنتنغتون أسبابا حضارية (!)، بالحرب العالمية على الإرهاب. ووسط اندفاعات الأميركيين من جهة، والإيرانيين والأتراك من جهةٍ ثانيةٍ إلى قلب المجتمعات العربية، وتراجع قدرات السلطات المسؤولة والحامية، ضاع الأمنان الخارجي من جهة، وفي دواخل الأفراد والجماعات من جهةٍ ثانية.

إنَّ مبادرة الشيخ بن بيّه التي تركّز على إعادة بناء ثقافة السلم في المجتمعات وعقول ونفوس الشباب، شديدة الأهمية والدلالة، لأنها تُسهم في استعادة الثقة بالدين وبالنفس وبالآخر من جهة، وتناهض ثقافة وممارسات العنف والتطرف من جهةٍ ثانية. لقد حضرت في أبوظبي في الأسبوع الماضي المؤتمر الثاني لمبادرة الشيخ بن بيّه. وقد انصبّت محاضرات المتحدثين على تصحيح وتحرير المفاهيم التي حرَّفتها واستغلَّتْها الجماعات العنيفة. وهذا الأمر جرت معالجته أيضا في المؤتمر الأول للمنتدى. وكان موضوع المؤتمر الذي عقده الأزهر ضد التطرف والإرهاب. لقد آن الأوان للعمل على الجهة المقابلة: بناء ثقافة السلم، وليس بمنهج التأصيل وحده، بل وبالعمل على البناء الثقافي لمجتمعاتنا التاريخية.

لقد تحركت المؤسسات الدينية والمدنية لاستحداث ثقافةٍ أخرى لدى الجمهور. وتتحرك الآن أيضا الدول العربية والسلطات الحامية للجمهور من إغارات المتطرفين والإيرانيين: «الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون».

المصدر: الشرق الأوسط

الكاتب: رضوان السيد