القبول والاختلاف في المجتمع الاسلامي

إن الاختلاف معطى إنساني طبيعي بإطلاق، فالإنسان كان أكثر شيء جدلاً، وأن الحرية وإغراءات الإرادة والرغبة والهوى والطبع، تعد من أسباب الاختلاف ودواعيه في قطاع دون قطاع من مظاهر الفاعلية الإنسانية. وقد نكون نحن المسلمين من أكثر الأمم التي تحتل محنة الإختلاف ذاكرتها التاريخية ووعيها الحاضر على نحو شقي، فالمنظومات الفكرية المستحدثة منذ قرون عدة أدارت ظهرها لخالص الوضع الديني من حيث هو “ثيروانطولولوجيا”، أي نظرة إلهية في الوجود تحمل نظاماً من العقائد والقيم الأخلاقية والجمالية والانسانية والحضارية، الدافعة إلى الكمال والسعادة، وتحولت إلى منظومة أيديولوجية سياسية تطلب ما تطلبه الغائية السياسية أي سلطة الغلبة والمنفعة والمجد، وتذهب عند فريق من أصحاب هذه الرؤيا إلى حدود حلم قيادة العالم وسحر الإغراء الإمبراطوري.

ثمة معطى آخر لم يعد خافياً، وما ينبغي لأحد منا أن ينكر، أنه بات يُنظر إلى دين الإسلام في المخيال الكوني الجمعي، الذي شكلته وتشكله الاذرع الإعلامية لقوى الهيمنة الظاهرة الظافرة، وكأنه دين طارد يبعث على الحذر والخشية والنفور بل الكراهية، وأن الصورة الإسلامية الرحيمة الإنسانية، الحضارية، الجاذبة قد أصيبت في الصميم، فبدت مبتورة غريبة مشوهة مبدلة، والعلل والأسباب كثيرة، وكل واحدة منها تتقدم اليوم على غيرها، وتظهر في هذا التشكل الغريب، الخارق للدين، يتخذ أو يتلبس كل صنوف التقابل والانفصال والتصلب والعنف في الفضاءات البينية للمجتمعات الاسلامية نفسها، وفي قبالة العالم الخارجي أيضاً.

لقد تم تحويل دين الرحمة إلى مسرح للدم والكراهية والعنف الأقصى، وتجذر مبدأ هذا التحول، أي الاختلاف، الذي صار يعني في ماهيته التكوينية، المباينة والمباعدة بين الأطراف والمواقف والأفهام، وسواء كان ذا أسس ومعايير دينية، أم ذا مسوغات واعتبارات عقلية دنيوية، فإنه ليس ذا طبيعة أحادية متفردة، فهو يمكن أن يكون رحيماً طيباً، مثلما يمكن أن يكون متصلباً قاسياً عنيفاً متعصباً باعثاً على التنازع والفشل، أي على ذهاب الريح المؤذن بفساد الاجتماع، وهذا هو المهم، لأنه يلقي بظلاله النكدة على حاضر الإسلام ومستقبله وعلى الاجتماع الاسلامي في جملته.

للاختلاف – على العموم – فضيلتان كما يقول الدكتور فهمي جدعان: الأولى أنه يتمتع بشرعية دينية، والثانية أن له مشروعية عقلية وواقعية. لكن هاتين الفضيلتين لا تطلقان له اليد، لأن أي مشروع اجتماعي يتطلب أن يبنى على الوفاق العام بين أطراف متعددة، وأن هذا الوفاق يشترط التسليم بمبدأ الاعتراف، والاعتراف المتبادل لا يعني أن الإقرار بأن المختلف هو قطعاً على حق، وإنما يعني فقط، الإقرار بأن للآخر المختلف أو المخالف الحق في أن يختلف، وألا يترتب على ذلك أية إساءة أو عنف، سواء كان ذلك لفظياً أم مادياً.

لكن الانزياح الراديكالي الذي أحدثته الرؤيا الدينية السياسية المستبدة اليوم بالعقل الديني السياسي الإسلامي، اختار لأسباب يمكن تشخيصها، ويجب تشخيصها، اختار عدم الاعتراف بالإختلاف، ومضى على طريق الفتنة والقتال أو الحل الصراعي الجذري غير الآمن، وما يزيد من خطر هذا الانزياح، هو أن ثلة من فقهاء الفتنة يغذونه بفتاواهم الآثمة، وأن حشداً غير قليل من أئمة المساجد ينخرطون في الدعوة إلى تسويغه.

إن لهذا الانزياح ضحيتان: دين الإسلام نفسه وصورته في العالم من جهة، ومجتمعات الاسلام من جهة ثانية، أي أننا قبالة واقع الضرورة، أعني أنه يجب الدفاع عن الإسلام نفسه، وعن الاجتماع الاسلامي في قبالة هذه الرؤيا القاتلة، التي حولت الدين إلى أيديولوجيا، ووطنت الاختلاف المدمر بديلاً من الاختلاف الرحيم.

يتكرر السؤال: كيف نصلح؟ كيف نطفىء الحريق؟ وكيف ننقذ الغريق؟ وكيف نسترد اجتماع المسلمين وخلاص مجتمعاتهم وسلم بلدانهم؟ الجواب الذي يردده الجميع، هو الحوار، وهو قول سديد، لكن تجريد القول فيه يتطلب الإجابة عن هذا السؤال: من هم المختلفون؟ الذين يمكن أن يدخلوا أطرافاً في الاختلاف وفي الحوار؟؟ ويتعلق بهذا السؤال أيضاً، من هم أولئك الذين يهددون السلم الاجتماعي الإسلامي، ويُلحقون الإساءة العظمى بدين الإسلام وأهله؟

لدينا في هذه المسائل طرفان رئيسيان: الأول هم أولئك الذين يمثلون دين الإسلام بما هو هداية عقيدية اخلاقية حضارية جمالية مقاصدية منفتحة تنويرية عقلانية إنسانية. الثاني هم أولئك الذين يتمثلونه نظاماً إيديولوجياً سياسياً، غائيته الأساسية انقاذ ما يسمى بمبدأ الحاكمية والدولة الدينية، ويناصبون المختلفين المضادين القطيعة والإقصاء والعداء على محور يمتد من الترهيب إلى العنف الأقصى.

بكل تأكيد ثمة طرف ثالث هو ذاك الذي تمثله الأيديولوجيات المدنية الليبرالية والعلمانية على وجه التحديد، لكن أصحاب هذه الإيدولوجيات لا يوجهون فعلهم الاجتماعي إلى حدود الاختلاف المتورط في العنف الأقصى، ومع ذلك فإن مشكل الحوار يتعلق بهم أيضاً. بيد أن الحوار إذ نقول أنه هو طريق الحل، من حيث هو أداة منهجية لإدارة الاختلاف والتعدد ولإحراز التوافق أو الإتفاق، يفرض على أطراف الحوار جميعاً استعداداً ذهنياً ونفسياً خاصاً، رأسه القبول بمبدأ الاختلاف، ومعنى ذلك أن التسليم بالحق في الاختلاف، هو شرط أساسي لإنطلاق أي حوار، يهدف إلى توافقات عامة أو الاحتفاظ بهذه التوافقات. غير أن هذا لا يتحقق اليوم إلا في حدود نظام اجتماعي سياسي حديث، مقود بما يسمى بالديموقراطية التداولية، أي الحوار المستند إلى المناقشة، وتبادل الآراء المختلفة والتحادث حولها من أجل الاختيار والتقرير في إطار المساواة بين المتحاورين، من حيث أنها شرط أساسي للتشاور والتداول، وفي حدود علاقات آمنة، تستبعد استعمال القوة أو التهديد باللجوء إليها. بتعبير آخر مستقى من هيرماسي: الحوار يتطلب فعلاً تواصلياً، ولا يمكن أن يقوم على القطيعة الأولية، وعلى نبذ الآخر المختلف ابتداءً، وينبغي تعزيزاً لهذا المبدأ التقيد بثلة من الشروط الأساسية والقيم الضرورية لنجاح هذا الحوار، وخفض مستوى الرفض والنفور منه.

من هذه الشروط والقيم:
– ترسيخ قيم الاستماع أي أن أصغي إلى الآخر باهتمام.
– احترام الآخر المختلف، أي أن أنظر إليه كشخص يتمتع بالكرامة الإنسانية.
– الفضول في معرفة الغير، أي التعارف وفقاً للمصطلح القرآني.
– توفير فضاء مناسب يوفر للمتحدثين الحرية في التعبير بالكلام.
– تأكيد قيمة العدل والمشاركة التامة في النقاش والقرار، بحيث تسود المساواة بين المتحاورين ولا يستعلي أحد على أحد.
– تأكيد قيمة التضامن ومشاركة، الجميع.
– تأكيد قيمة المسؤولية المشتركة لأطراف الحوار جميعاً بحيث يتحمل الجميع المسؤولية عن القرارات التي تتخذ لصالح النظام الإجتماعي.

فهل تتوافر هذه الشروط والقيم لدى أطراف الحوار، التي يمكن أن تقبل الدخول في هذه العملية عندنا في الوقت الحاضر؟ أعني هل تتوافر أخلاق النقاش والمسؤولية واحترام الآخر والصدق والعدل والاعتراف المتبادل وغياب الخداع والتمويه والكذب لدى أطراف الحوار؟

أليس ثمة عقبات حقيقية أمام الفعل التواصلي الذي يفترضه الحوار؟ من المؤكد أن شروط الحوار التي سقت بعضها لا تتوافر لدى جمهرة من هذه الأطراف، ناصبت الفرد المختلف والمجتمع والدولة العداء الذي لا يرحم، وهي إذا كانت ممكنة متداولة في المجتمعات الحديثة المسماة “ديموقراطية”، فإنها لا تجري في مجتمعنا الراهن، إلا لدى قطاعات محدودة،غير قادرة على فرض علاقات سلمية آمنة في المجتمع.

لذلك تتقدم في ظل هذه المعطيات عقيدة الدولة الأمنية، وأن قوة الدولة الرادعة هي التي تقدم الحل، لأن الحوار غير ممكن ولأن شروط التواصل ممتنعة التحقق. وهو ما يساهم في ترسيخ ثقافة العنف والإقصاء على المستوى الاجتماعي.

ثمة بكل تأكيد بدائل أخرى، على طريق إنفاذ مبدأ الحوار مع المختلفين الراديكاليين المتصلبين، الذين لا يؤمنون بحق الاختلاف، وقد تجاوزوا عتبة التربية الأساسية، واستبدت بهم الأدلة الخطابية أو الخلايا الحزبية أو الأب السلطوي، أو مبدأ الطاعة أو الأسرة المتزمتة أو أو إلخ.. دولة القانون، التي تعتبر الوجه الآخر لمفهوم المواطنة، التي تعني الشراكة الندية ، حينها إذا ما لجأت الدولة إلى أسلوب الردع بمفهوم أمني، فلن تكون له ارتدادات عكسية تغذي العنف والتطرف والإقصاء، وإنما العكس هو صحيح.

لكن ما أعتقد أنه شيء جوهري وأساسي، هو أن مشكل العنف الراهن في العالم الإسلامي لا يمكن حله بدولة القانون فقط؛ لأن الذين يقدمون على هذه الأفعال العنيفة تجاوزوا المرحلة التي تدخل في باب ما نسميه بالمخطط الأولي الشخصي، أعني ما يسمى “الإسكيما”، وأيضاً ما يسمى “البرمجة الوجدانية”، التي تتحدد في السنوات الأولى من حياة الطفل والصبي والفتى. وكي يكون الحوار ممكناً، وحتى يكون الفعل التواصلي مجدياً ينبغي أن نعود إلى البدايات، وأن نفكر في إنتاج الشخصية السوية، منذ المهد، أي التنشئة الأسرية، الوالدان، المعلم، المدرسة، في العلاقات البينية بين المعلم والتلميذ، وأن نجهز نهائياً على ما يسمى “البطريركية الأبوية”، الأب أو المعلم السلطوي، وأن تقوم العلاقات على أساس السؤال والتساؤل، وعلى أساس طرح إمكانات مختلفة للمشكلة الثائرة والمشكلة المطروحة واجتهادات متعددة، ثم حديث إنساني وجداني بين المتحاورين بحيث في نهاية الأمر نصل إلى معرفة يقينية واضحة تجنب هؤلاء الأطفال، أو الصبيان، والفتيان الوقوع في “الإسكيما” الأولية التعصبية، التي تظهر في مقتبل العمر. لأن هؤلاء العنيفين الذين يمارسون القوة تعود جذور مشكلتهم في حقيقة الأمر إلى تلك المرحلة، مرحلة المخطط الأولى، والبرمجة الوجدانية بالإضافة إلى مجموعة أخرى من العوامل الاقتصادية السياسية

المصدر: جريدة الخليج

مركز الموطأ للدراسات