التكفير مفتاح الشرور ومدخل لاستباحة الدماء

عبدالله بن بيه في حوار مع القبس حول ثقافة العنف (2)

لماذا راحت تتناثر الأشلاء وتتطاير الدماء في المدن والساحات، فضلا عن جز الرؤوس الآدمية على الفضائيات وكأنها مسائل عادية لا تثير فينا غيرة او سخطا او غضبا لله والناموس والوجدان؟. فهل حقا بات العربي او المسلم ينتمي الى الجحور والكهوف ويلغ في الدماء كما الضواري بدل ان يكون هاديا ونبراسا للتراحم والتسامح؟!. وأين «ثقافة السلم» أو ثقافة التسامح والتعارف – لا التناكر – من الإسلام؟. هذا ما سنتناوله مع الشيخ عبدالله بن بيه في الحلقة الثانية من حوارنا معه.

الفرق بين الجهاد والقتل
فضل الجهاد وكونه ذروة سنام الإسلام أمر مفروغ منه، ولكن ما هو مفهومه وشروطه وأسبابه وموانعه، ومن هي الجهة المخولة للقيام به؟. وهل الجهاد هو القتال؟
ــــ الجهاد ليس مرادفا للقتال، ولكن بينهما نسبة العموم والخصوص، أي عموم من وجه، وخصوص من وجه. فليس كل جهاد قتالا، ولا كل قتال جهادا، ولكن باختصار قد يكون القتال احد افراد كلي الجهاد، إذ باستقراء النصوص الشرعية، يتضح ان الجهاد يشمل كل القربات: فبر الوالدين جهاد «ففيهما فجاهد»، وطاعة الله تعالى جهاد.
وقد عرف ابن تيمية الجهاد بقوله: هو شامل لأنواع العبادات الظاهرة والباطنة، ومنها: محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر، والزهد، وذكر الله تعالى ومنه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، ومنه ما هو بالدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة والمال.
وقسم ابن خلدون الحرب إلى أربعة أنواع وذلك حسب دوافعها قائلاً: ان اصل جميع الحروب إرادة الانتقام، منها نوعان: حروب بغي وفتنة: حرب المنافسة (التوسع)، وحرب العدوان التي تقوم بها الأمم المتوحشة، ونوعان عادلان: حرب غضب لله تعالى ودينه وهي جهاد، وحرب على الخارجين عن السلطان – وهي حرب للعناية بالملك كما سماها.
والحربان العادلتان لا يقوم بهما الا الإمام، أي: الحاكم، فمن يحارب الدولة المعتدية في الخارج ويجيش الجيوش، ومن يحارب البغاة في الداخل هو الحاكم، كما يقول القرافي المالكي في فروقه، وهو يتحدث عن تصرفاته، ملاحظاً ان هذا النوع من التصرفات لا يجوز للأفراد ان يتعاطوه وانما يقوم به الحاكم. وأصل العلاقة مع غير المسلمين السلم، والجهاد في أصل تشريعه هو البحث عن «السلم الدائم» ولهذا طلب من جميع المؤمنين ان يدخلوا في السلم، «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة»، وطلب منهم عندما يرون أي بادرة للسلم ان يقبلوها، «وإن جنحوا للسلم فاجنح له»، كان كل ذلك في ظروف لا معاهدات فيها تجمع العالم ولا ميثاق، ولا توجد فيها وسيلة لابلاغ الدعوة إلا باسناد حربي، ولا توجد فيها حدود إلا بالقوة أو بعد المسافة، ولا توجد فيها أسلحة ابادة شاملة. وقد تغيرت كل هذه المعطيات فهل يمكن ان يدعو مسلم يفهم نصوص الشريعة ومقاصدها الى القيام بغزو الأمم؟ إلا ان يكون مختل العقل جاهلاً بحقائق الاسلام وواقع العالم.
لذلك ينبغي ان نقرر ان مفهوم الجهاد في الأصل كان من أجل السلم والرحمة، وان المفهوم اليوم قد يستعمله أشخاص في غير محله وخلافاً لأصله فيفسدون في الأرض فساداً كبيراً لا يرضاه شرع ولا عقل.

شبح الفتنة
كيف يتحقق المناط في هذه المسألة درءاً للتكفير وإبعادا لشبح الفتنة، بل وتجنباً للإثم، اذا صحت الأعمال وصلحت النيات؟
ــــ من أفضل من تناول هذا الموضوع ابن القيم في «إعلام الموقعين» تحت عنوان: «اختلاف الفتوى باختلاف المكان والزمان»، فالمكان أرض العدو التي جعلها مناطاً لتأخير الحد أو تعطيله، واستدل عليه بالسنة وعمل الصحابة والإجماع والقياس. اما السنة فحديث بسر بن أبي أرطاة: «أن النبي نهى ان تقطع الأيدي في الغزو». رواه أبو داود وأحمد والدرامي. يقول ابن القيم: فهذا حد من حدود الله، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية ان يترتب عليه ما هو أبغض الى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق لصاحبه بالمشركين حمية وغضباً، كما قال عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم. وقد نص أحمد وإسحاق والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على ان الحدود لا تقام في أرض العدو. وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يُقام الحد على مسلم في أرض العدو. ويؤخذ من هذا ان الحاكم الراعي لمصالح الدنيا والدين في مقام التنزيل يجوز له ان يعلق الحد أو القصاص إذا ترتبت عليها مفسدة أعظم. أما السؤال الذي نطرحه اليوم فهو سؤال عن الواقع: ما هي درجة القلق في الكثير من البلاد المسلمة؟ وما هو استعداد الأفراد لقبول إيقاع العقوبة البدنية عليهم، وكيف يتأثر ولاؤهم للدين، وهل سيلتحقون بغير المسلمين، وهل أوضاع بعض بلاد المسلمين تمثل شبهة لدرء الحدود بالشبهات؟ بناء على تشوف الشارع لدرئها كما في الحديث الذي رواه الحاكم، «ادرأوا الحدود ما استطعتم» (البيهقي في كتاب الحدود، ورواه الترمذي والدارقطني)، والحديث الذي قال يا رسول الله إني أصبت حداً فاقم فيَّ كتاب الله. قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال حدك» (متفق عليه). وأحاديث الستر على النفس والستر على الغير «يا هزال لو كنت سترته عليه بثوبك لكان خيراً لك مما صنعت»، (أحمد في المسند). لذلك نرى وجوب إقامة الحدود في الظروف الاعتيادية لا غبار عليه، والاعتراف به والإقرار يدخل في دائرة الإيمان.
أما وقوعها على الناس فيدخل في دائرة العمل، والذي يقدر ذلك هو الحاكم. يقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية: «ان هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد». ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين، و«القدرة» هي السلطان، فلهذا: وجب اقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه. وقال أيضا: واقامة الحدود لا تتم الا بالقوة والإمارة.
فالحدود تبقى مسألة مهمة على الجهات الولائية ان تحقق المناط فيها، وليس ذلك للمفتي ولا الفقيه، الذي لا صلاحية له في تحقيق المناط في بعض القضايا، التي لا يترك حقائقها، ولا يتوقع مآلاتها. حتى لا يصبح تنزيل مفهوم تطبيق الاحكام الذي شرع من اجل السلم طريقا الى العنف والاحتراب بسبب ان بناء المفهوم لم يكن صحيحا، بل كان يتجاهل الشروط الموضوعية والواقع الزمني والانساني، وهي عوامل تدخل في صياغة المفهوم شرعا.

الولاء والبراء
ماذا بشأن مفهوم الولاء والبراء، الذي يروج هذه الايام بتأويلات مختلفة ومتناقضة، وكلها تصل الى التكفير؟
ــــ هو من المفاهيم التكفيرية الرائجة، ذلك ان الذين يعتمدون على هذا المفهوم لا يكلفون انفسهم البحث عن مضمونة ولا قيوده ولا بنوده، ولا يجمعون بين النصوص، بلا يذكرون النصوص الداعية الى البر بالآخر، كقوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين»، ولا تقسيم العلماء لمراتب الولاء كالفخر الرازي في تقسيره، وابن العربي المالكي في احكامه. فأرهقوا الامة وحرفوا هذا المفهوم الذي كان عاملا للسلم، لانه كان ولاء للدين، وبالتالي فهو للوطن، ليصبح طاردا واقصائيا، قال الإمام احمد: الولاية بدعة والبراءة بدعة فاحذروا منه.

الفتوى زمن الفتنة
في سؤاله عن الفتوى في زمن الفتنة قال الشيخ بن بيه:
الفتيا اصطلاحاً: «تبين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه». قال القرافي: إنها اخبار عن الله تعالى. والفتوى لها شأن عظيم في الإسلام، فهي خلافة للنبيه في وظيفة من وظائفه في البيان عن الله تعالى، فبقدر شرفها وأجرها يكون خطرها ووزرها لمن يتولاها بغير علم، ولهذا ورد الوعيد، ففي حديث الدرامي عن عبيد الله بن جعفر مرسلاً: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار».
ولعظيم خطرها ضمن العلماء غير المجتهد ان نصب نفسه مفتياً، فيضمن ما اتلفه بفتواه من نفس ومال، قال الزرقاني في شرحه على خليل: لا شيء على مجتهد اتلف شيئا بفتواه، ويضمن غيره ان انتصب وإلا فقولان، وأغلظ الحاكم على غير المجتهد، وإن أدبه فأهل، الا ان يكون تقدم له اشتغال فيسقط عنه الأدب وينهي عن الفتوى إذا لم يكن أهلاً.
أما البيئة تتجلى فيها هذه الاحكام، فهي الواقع الذي بفهمه وفقهه واستنباط حقيقته،- حسب عبارة ابن القيم – يتهيأ المحل لتنزيل الحكم، فالواقع هو الأرضية بالتعبير المعاصر لتحقيق المناط، ولأن الواقع هو مرآة المصالح والمنافع التي تجلب والمفاسد والمضار التي تدرأ، فهو إذن البيئة الحقيقية باعتبار ذلك المقصد الأعلى الذي تذود الشريعة عن حياضه وترد إليه المقاصد.

التكفير

تحدث الشيخ بن بيه عن مسألة التكفير وفوضى الفتوى في زمن الفتنة فقال: في هذا الموضوع لا بد من الإشارة إلى عاملين من عوامل التحريض على الفتنة هما: فشو التكفير، وفوضى الفتوى، إن التكفير هو إصدار حكم شرعي على شخص، أو جماعة بالكفر سواء كان أصلياً أو حادثاً، وقد حذر منه سبحانه وتعالى فقال: «ولا تقولوا لمن القى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا». هذا وقد اختلف العلماء في مسائل التكفير وتبادلت الطوائف تهمته بحق أو بغير حق، إلا أنه بسبب ما ورد فيه من الوعيد حذر أشد التحذير من التكفير جماعة من العلماء حتى قال العلامة محمود خطاب السبكي: «ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فتكفيره صعب». وفي الفتاوى الصغرى: «الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت رواية انه لا يكفر». وقرر العلماء انه إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسيناً للظن بالمسلم، إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل، فلا يكفر بالمحتمل لأن الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية، والاحتمال لا نهاية معه». وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى: وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أن ليس كل من قال قولاً أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفاً للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع، فالمقصود هو انه ليس لكل من الطوائف المنتسبين إلى شيخ من الشيوخ أو لإمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم، بل في الصحيح عن النبي انه قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما». فلا بد من التفكير في مشكلة التكفير، وأهم قضية يجب أن يتداول حولها العلماء والمفكرون هي مسألة التكفير المتبادل، لأن التكفير مفتاح الشرور، ومدخل لاستباحة الدماء والأموال والأعراض، وأي وطن ينتشر فيه داء التكفير فإن جسد وحدته سيتلاشى، وجدار بنيته سيتداعى وينهار.

إشراف موسى الأسود

المصدر: القبس
الكاتب: محمد الوردي