الإسلام والحرية الدينية

ومن القيم الأصيلة في الإسلام، قيمة الحرية وعلى رأسها حرية المعتقد، فهذه القيمة ضاربة في أعماق تاريخ المسلمين، حيث كان بمقدورهم أن يفرضوا دينهم على غيرهم من الشعوب التي دخلت تحت حكمهم، ولكن المسلمين اعترفوا بحق هؤلاء في أن يبقوا على الدين الذي كانوا عليه، حتى لو كان هذا الدين يحتوي على كثير مما يخالف تعاليم الإسلام، وكان المسلمون يستنكرون هذه الأشياء أشد الإستنكار، ومع ذلك أقر الإسلام حق المختلفين بحرية الاختلاف. وقد لا نبالغ إذا قلنا إن الحرية التي اعترف بها المسلمون؛ فاقت في خصلة مهمة من خصالها تلك التي تعلو قيمتها والدعوة إلى تحقيقها في العصر الراهن، فإن جُلَّ ما يدين به أنصار الحرية اليوم، يتمثل في حرية الراي والمعتقد.

لقد جمع الإسلام بين الاعتقاد والممارسة، ومنح غير المسلمين الحق في أن يعتقدوا ويمارسوا ما يمليه عليه دينهم، وبالطبع كان هذا كله خاضعاً لحدود وضوابط تتماشى مع الواقع، علماً أن الواقع لم يكن دائماً يوافق النظرية. ولا يظن ظان أن هذا هو مجرد مقارنة ناهيك عن المزايدة بين مفهوم الحرية الدينية في الإسلام والغرب، كما أني لم أقصد التقليل من شأن الأخير، ولا أن أقلل من أهميته؛ لأنني لم أتقصد مما ذكرته مجرد النقد، إنما وددت التمهيد لاعتبارين:
أولاً: أن أثبت أن الدعوة إلى الحرية الدينية ليست بدعة من القول في الإسلام، وأننا إذا قمنا بهذه الدعوة فلسنا مقلدين لغيرنا، ولا خاضعين لضغوطهم أو متشبثين بأذيالهم في محاولة مستميتة لمواكبة العصر، بل أننا نكون عائدين إلى أصل أصيل في ديننا وتراثنا محيين لهذا الأصل ومجددين له.

ثانياً: أن أضع سياقاً لطرح سؤال يلقي ضوءاً كاشفاً على مدى حاجتنا إلى إعادة النظر في هذا الموضوع، فإنه إذا كان الإسلام من صميم ذاته وفي أفضل عصوره يحفظ لغير المسلمين هذا الحجم الجبار من الحرية الدينية على شكل نفتخر به جميعاً، أفلا يليق بالمسلمين من باب أولى أن يضمنوا مثل هذه الحرية لإخوانهم وأخواتهم المسلمين والمسلمات؟ وعلى هذا الأساس فهل يكون من العدل أو من العقل أن نتغاضى عن غير مسلم يشرب الخمر ويأكل الربا، ثم نقيم الدنيا ولا نقعدها على مسلم إذا حاز كلباً مثلاً، أو تختم بذهب، أو مسلمة وضعت مكياجاً، مع العلم بأن هذه الأشياء مختلف فيها بين علماء المسلمين. فأين العدل في ذلك؟ وأين الحرية الدينية للمسلمين؟

إن هذا يجرنا إلى حقيقة قد تخفى عن البعض، وهي أن الحرية الدينية كما أن لها قيمتها، فكذلك لها ثمنها، وهذا الثمن لابد من دفعه إذا أردنا تعزيز أو الحفاظ على الحرية الدينية، ولعل أول قسط يجب سداده بل قد يكون بمثابة العربون، هو أن نشدد في قصر العصمة على الله ورسوله وإجماع علماء المسلمين، ثم نقبل بشدة على قبول الاختلاف كواقع إنساني تابعاً لمشيئة الله الكونية، ولكي نفرق بين المقبول والمرفوض فيما نختلف فيه، فلا بد من وضع قانون عام يطبق بإخلاص وإنصاف، ويُحتكم إليه بجدية وأمانة، شأننا في ذلك شأن الإمام ابي حامد الغزالي في كتابه الشهير “فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة”، ولا ينبغي هنا أن نفرط في تطبيق هذا القانون فنخرجه من بعده الإنساني، بل يجب أن نبقيه نصب أعيننا.

هناك فرق شاسع بين الجهل والخطأ والكفر. ومن أخطر الأخطار على الحرية الدينية علينا نحن المسلمين، هو تعصب المتعصبين الذين يرمون الى الإصلاح عن طريق الحجر على الناس، وحملهم قسراً على رأيهم، ظانين أن هذا فقط هو الذي سيعيد للإسلام مجده.

وهناك من يقتل باسم الدين، لكن هذا لا يحقق سوى تنفير عامة الناس من الدين، بل قد يثير الدعوة – مخلصة كانت أو غير مخلصة – إلى القضاء على الحرية الدينية بأسرها باسم الحفاظ على الامن العام، وهذا يجرنا إلى قسط ثالث من الحرية الدينية، وهو أن الحرية الدينية يجب أن تفهم فهماً صحيحاً، وتوضع في مكانها الصحيح، وإلا فالمتدينين الذين يسيؤون فهم الحرية الدينية ويستغلونها لأغراض طائفية أو حركية دون النظر إلى مصالح المسلمين العامة والدولة الحديثة أيضاً، قد تهدد هذه الحرية تهديداً بالغاً.

المصدر: جريدة الخليج

الكاتب: عبدالحميد جاكسون